فصل: تفسير الآية رقم (148)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏146‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ‏(‏146‏)‏‏}‏

‏{‏الذين ءاتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ‏}‏ مبتدأ وخبر، والمراد بهم العلماء لأن العرفان لهم حقيقة، ولذا وضع المظهر موضع المضمر، ولأن أوتوا يستعمل فيمن لم يكن له قبول، و‏(‏ آتينا‏)‏ أكثر ما جاء فيمن له ذلك، وجوّز أن يكون الموصول بدلاً من الموصول الأول، أو ‏(‏من الظالمين‏)‏ فتكون الجملة حالاً من ‏{‏الكتاب‏}‏ أو من الموصول، ويجوز أن يكون نصباً بأعني، أو رفعاً على تقديرهم، وضمير ‏{‏يَعْرِفُونَهُ‏}‏ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإن لم يسبق ذكره لدلالة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ‏}‏ عليه، فإن تشبيه معرفته بمعرفة الأبناء دليل على أنه المراد، وقيل‏:‏ المرجع مذكور فيما سبق صريحاً بطريق الخطاب، فلا حاجة إلى اعتبار التقديم المعنوي غاية الأمر‏:‏ أن يكون ههنا التفات إلى الغيبة للإيذان بأن المراد ليس معرفتهم له عليه الصلاة والسلام من حيث ذاته ونسبه الزاهر، بل من حيث كونه مسطوراً في الكتاب منعوتاً فيه بالنعوت التي تستلزم إفحامهم، ومن جملتها أنه يصلي إلى القبلتين، كأنه قال‏:‏ الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من وصفناه فيه، وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم وإن خوطب في الكلام الذي في شأن القبلة مراراً لكنه لا يحسن إرجاع الضمير إليه لأن هذه الجملة اعتراضية مستطردة بعد ذكر أمر القبلة وظهورها عند أهل الكتاب بجامع المعرفة الجلية مع الطعن ولذا لم تعطف فلو رجع الضمير إلى المذكور لأوهمَ نوع اتصال ولم يحسن ذلك الحسن ودليل الاستطراد ‏{‏ولكل وجهة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 148‏]‏ نعم إن قيل‏:‏ بمجرد الجواز فلا بأس إذ هو محتمل، ولعله الظاهر بالنظر الجليل، وقيل‏:‏ الضمير للعلم المذكور بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 145‏]‏ أو القرآن بادعاء حضوره في الأذهان، أو للتحويل لدلالة مضمون الكلام السابق عليه، وفيه أن التشبيه يأبى ذلك لأن المناسب تشبيه الشيء بما هو من جنسه، فكان الواجب في نظر البلاغة حينئذٍ كما يعرفون التوراة أو الصخرة، وأن التخصيص بأهل الكتاب يقتضي أن تكون هذه المعرفة مستفادة من ‏(‏الكتاب‏)‏ وقد أخبر سبحانه عن ذكر نعته صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل بخلاف المذكورات فإنها غير مذكور فيه ذكرها فيهما والكاف في محل نصب على أنها صفة لمصدر محذوف أي‏:‏ يعرفونه بالأوصاف المذكورة في الكتاب بأنه النبي الموعود بحيث لا يلتبس عليهم عرفاناً مثل عرفانهم أبناءهم بحيث لا تلتبس عليهم أشخاصهم بغيرهم، وهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية في أن كلاً منهما يتعذر الاشتباه فيه، والمراد بالأبناء الذكور لأنهم أكثر مباشرة ومعاشرة للآباء، وألصق وأعلق بقلوبهم من البنات، فكان ظن اشتباه أشخاصهم أبعد، وكان التشبيه بمعرفة الأبناء آكد من التشبيه بالأنفس لأن الإنسان قد يمر عليه قطعة من الزمان لا يعرف فيها نفسه كزمن الطفولية بخلاف الأبناء فإنه لا يمر عليه زمان إلا وهو يعرف ابنه‏.‏

وما حكي عن عبد الله بن سلام أنه قال في شأنه صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنا أعلم به مني بابني، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه‏:‏ لِمَ‏؟‏ قال‏:‏ لأني لست أشك بمحمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقبل عمر رضي الله تعالى عنه رأسه، فمعناه‏:‏ أني لست أشك في نبوته عليه الصلاة والسلام بوجه، وأما ولدي فأشك في بنوته وإن لم أشك بشخصه، وهو المشبه به في الآية فلا يتوهم منه أن معرفة الأبناء لا تستحق أن يشبه بها لأنها دون المشبه للاحتمال، ولا يحتاج إلى القول بأنه يكفي في وجه الشبه كونه أشهر في المشبه به وإن لم يكن أقوى ومعرفة الأبناء أشهر من غيرها، ولا إلى تكلف أن المشبه به في الآية إضافة الأبناء إليهم مطلقاً سواء كانت حقة أو لا‏.‏ وما ذكره ابن سلام كونه ابناً له في الواقع‏.‏

‏{‏وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ‏}‏ وهم الذين لم يسلموا‏.‏ ‏{‏لَيَكْتُمُونَ الحق‏}‏ الذي يعرفونه ‏{‏وَهُمْ يَعْلَمُونَ‏}‏ جملة حالية، و‏{‏يَعْلَمُونَ‏}‏ إما منزلة منزلة اللازم ففيه تنبيه على كمال شناعة كتمان الحق وأنه لا يليق بأهل العلم، أو المفعول محذوف أي‏:‏ يعلمونه فيكون حالاً مؤكدة لأن لفظ ‏(‏يكتمون الحق‏)‏ يدل على علمه إذ الكتم إخفاء ما يعلم، أو يعلمون عقاب الكتمان، أو أنهم يكتمون فتكون مبينة، وهذه الجملة عطف على ما تقدم من عطف الخاص على العام، وفائدته تخصيص من عاند وكتم بالذم، واستثناء من آمن وأظهر علمه عن حكم الكتمان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏147‏]‏

‏{‏الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ‏(‏147‏)‏‏}‏

‏{‏الحق مِن رَّبّكَ‏}‏ استئناف كلام قصد به رد الكاتمين، وتحقيق أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذا فصل، والحق إما مبتدأ خبره الجار واللام إما للعهد إشارة إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا ذكر بلفظ المظهر أو الحق الذي كتمه هؤلاء ووضع فيه المظهر موضع المضمر تقريراً لحقيته وتثبيتاً لها، أو للجنس وهو يفيد قصر جنس الحق على ما ثبت من الله أي أن الحق ذلك كالذي أنت عليه لا غيره كالذي عليه أهل الكتاب، وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، أو هذا الحق، و‏{‏مِن رَبّكَ‏}‏ خبر بعد خبر أو حال مؤكدة واللام حينئذٍ للجنس كما في ‏{‏ذلك الكتاب‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 2‏]‏ ومعناه أن ما يكتمونه هو الحق لا ما يدعونه ويزعمونه ولا معنى حينئذٍ للعهد لأدائه إلى التكرار فيحتاج إلى تكلف‏.‏ وقرأ الإمام علي كرم الله تعالى وجهه ‏{‏الحق‏}‏ بالنصب على أنه مفعول ‏{‏يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 146‏]‏ أو بدل، و‏{‏مِن رَبّكَ‏}‏ حال منه، وبه يحصل مغايرته للأول وإن اتحد لفظهما، وجوز النصب بفعل مقدر كالزم وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة من إظهار اللطف به صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى‏.‏

‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين‏}‏ أي الشاكين أو المترددين في كتمانهم الحق عالمين به، أو في أنه من ربك وليس المراد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك لأن النهي عن شيء يقتضي وقوعه أو ترقبه من المنهي عنه وذلك غير متوقع من ساحة حضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم فلا فائدة في نهيه، ولأن المكلف به يجب أن يكون اختيارياً، وليس الشك والتردد مما يحصل بقصد واختيار بل المراد إما تحقيق الأمر وأنه بحيث لا يشك فيه أحد كائناً من كان، أو الأمر للأمة بتحصيل المعارف المزيلة لما نهى عنه فيجعل النهي مجازاً عن ذلك الأمر وفي جعل امتراء الأمة امتراءه صلى الله عليه وسلم مبالغة لا تخفى، ولك أن تقول‏:‏ إن الشك ونحوه وإن لم يكن مقدور التحصيل لكنه مقدور لإزالة البقاء، ولعل النهي عنه بهذا الاعتبار ولهذا قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين‏}‏ دون فلا تمتر، ومن ظن أن منشأ الإشكال إفخام الكون لأنه هو الذي ليس مقدوراً فلا ينهى عنه دون الشك والتردد لم يأت بشيء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏148‏]‏

‏{‏وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏148‏)‏‏}‏

‏{‏وَلِكُلّ وِجْهَةٌ‏}‏ أي لكل أهل ملة أو جماعة من المسلمين واليهود والنصارى، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، وتنوين كل عوض عن المضاف إليه ووجهة جاء على الأصل والقياس جهة مثل عدة وزنة وهي مصدر بمعنى المتوجه إليه كالخلق بمعنى المخلوق وهو محذوف الزوائد لأن الفعل توجه أو اتجه، والمصدر التوجه أو الاتجاه، ولم يستعمل منه وجه كوعد، وقيل‏:‏ إنها اسم للمكان المتوجه إليه فثبوت الواو ليس بشاذ‏.‏ وقرأ أبيّ ولكلّ قبلة ‏{‏هُوَ مُوَلّيهَا‏}‏ الضمير المرفوع عائد إلى كل باعتبار لفظه، والمفعول الثاني للوصف محذوف أي وجهه أو نفسه أي مستقبلها، ويحتمل أن يكون الضمير لله تعالى أي الله موليها إياه، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ ‏{‏وَلِكُلّ وِجْهَةٌ‏}‏ بالإضافة، وقد صعب تخريجها حتى تجرأ بعضهم على ردها وهو خطأ عظيم، وخرجها البعض أن كل كان في الأصل منصوباً على أنه مفعول به لعامل محذوف يفسره ‏{‏مُوَلّيهَا‏}‏ وضمير ‏{‏هُوَ‏}‏ عائد إلى الله تعالى قطعاً ثم زيدت اللام في المفعول به صريحاً لضعف العامل المقدر من جهتين، كونه اسم فاعل وتقديم المعمول عليه والمفعول الآخر محذوف أي لكل وجهة الله مولى موليها وردّ بأن لام التقوية لا تزاد في أحد مفعولي المتعدي لاثنين، لأنه إما أن تزاد في الآخر ولا نظير له، أو لا فيلزم الترجيح بلا مرجح، وإن أجيب بإطلاق النحاة يقتضي جوازه، والترجيح بلا مرجح مدفوع هنا بأنه ترجح بتقديمه‏.‏ وقيل‏:‏ إن المجرور معمول للوصف المذكور على أنه مفعول به له واللام مزيدة، أو أن الكلام من باب الاشتغال بالضمير، ولا يخفى أن هذين التخريجين يحوج أولهما‏:‏ إلى إرجاع الضمير المجرور بالوصف إلى التولية، وجعله مفعولاً مطلقاً كقوله‏:‏

هذا سراقة للقرآن يدرسه *** لئلا يقال‏:‏ كيف يعمل الوصف مع اشتغاله بالضمير، وثانيهما‏:‏ إلى القول‏:‏ بأنه قد يجىء المجرور من باب الاشتغال على قراءة من قرأ ‏{‏والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ‏}‏ ‏[‏الانسان‏:‏ 1 3‏]‏ والقول‏:‏ بأن اللام أصلية، والجار متعلق بصلوا محذوفاً أو باستبقوا والفاء زائدة بعيد بل لا أكاد أجيزه، وقرأ ابن عامر، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مولاها على صيغة اسم المفعول أي هو قد ولى تلك الجهة فالضمير المرفوع حينئذٍ عائد إلى كل ألبتة، ولا يجوز رجوعه إلى الله تعالى لفساد المعنى، وأخرج ابن جرير وابن أبي داود في «المصاحف» عن منصور قال‏:‏ نحن نقرأ ولكل جعلنا قبلة يرضونها‏.‏

‏{‏فاستبقوا الخيرات‏}‏ جمع خيرة بالتخفيف وهي الفاضلة من كل شيء، والتأنيث باعتبار الخصلة، واللام للاستغراق فيعم المحلى أمر القبلة وغيره، والخطاب للمؤمنين، والاستباق متعد كما في «التاج»، وقيل‏:‏ لازم، و‏(‏ إلى‏)‏ بعده مقدرة أي إذا كان كذلك فبادروا أيها المؤمنون ما به يحصل السعادة في الدارين من استقبال القبلة وغيره ولا تنازعوا من خالفكم إذ لا سبيل إلى الاجتماع على قبلة واحدة لجرى العادة على تولية كل قوم قبلة يستقبلها، وفي أمر المؤمنين بطلب التسابق فيما بينهم كما قال السعد‏:‏ دلالة على طلب سبق غيرهم بطريق الأولى، وقيل‏:‏ الاقتصار على سبق بعضهم إشارة إلى أن غيرهم ليس في طريق الخير حتى يتصور أمر أحد بالسبق إلى الخير عليه، ويجوز أن تكون ‏(‏اللام‏)‏ للعهد فالمراد بالخيرات الفاضلات من الجهات التي تسامت الكعبة، وفيه إشارة إلى أن الصلاة إلى عين الكعبة أكثر ثواباً من الصلاة التي جهتها، وقيل‏:‏ يحتمل أن يراد بها الصلوات الفاضلات، والمراد بالاستباق السرعة فيها والقيام بها في أول أوقاتها، وفيه بعد، وأبعد منه ما قيل‏:‏ إن المعنى فاستبقوا قبلتكم وعبر عنها بالخيرات إشارة إلى اشتمالها على كل خير‏.‏

واستدل الشافعية بالآية على أن الصلاة في أول الوقت بعد تحققه أفضل وهي مسألة فرغ منها في الفروع، ولبعض العارفين في الآية وجه آخر وهو أنه تعالى جعل الناس في أمور دنياهم وأخراهم على أحوال متفاوتة، فجعل بعضهم أعوان بعض فواحد يزرع وآخر يطحن وآخر يخبز، وكذلك في أمر الدين، واحد يجمع الحديث وآخر يحصل الفقه وآخر يطلب الأصول، وهم في الظاهر مختارون، وفي الباطن مسخرون، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كل ميسر لما خلق له ‏"‏ ولهذا قال بعض الصالحين لما سئل عن تفاوت الناس في أفعالهم‏:‏ كل ذلك طرق إلى الله تعالى أراد أن يعمرها بعباده ومن تحرى وجه الله تعالى في كل طريق يسلكه وصل إليه لكن ينبغي تحري الأحسن من تلك الطرق إذ المراتب متفاوتة والشؤون مختلفة ومظاهر الأسماء شتى، وقيل‏:‏ المراد بها أن لكل أحد قبلة فقبلة المقربين العرش‏.‏ والروحانيين الكرسي والكروبين البيت المعمور‏.‏ والأنبياء قبلك بيت المقدس وقبلتك الكعبة، وهي قبلة جسدك، وأما قبلة روحك فأنا، وقبلتي أنت كما يشير إليه ‏"‏ أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ‏"‏

‏{‏أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا‏}‏ ‏(‏أين‏)‏ ظرف مكان تضمن معنى الشرط، و‏{‏مَا‏}‏ مزيدة، و‏{‏يَأْتِ‏}‏ جوابها والمعنى في أي موضع تكونوا من المواضع الموافقة لطبعكم كالأرض أو المخالفة كالسماء أو المجتمعة الأجزاء كالصخرة أو المتفرقة التي يختلط بها ما فيها كالرمل يحشركم الله تعالى إليه لجزاء أعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والجملة معللة لما قبلها، وفيها حث على الاستباق بالترغيب والترهيب وهي على حد قوله تعالى‏:‏

‏{‏يابنى إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السماوات أَوْ فِى الارض يَأْتِ بِهَا الله‏}‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 6 1‏]‏ أو في أي موضع تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال يقبض الله تعالى أرواحكم إليه فهي على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 8 7‏]‏ ففيها حث على الاستباق باغتنام الفرصة فإن الموت لا يختص بمكان دون مكان، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلات يمنة ويسرة وشرقاً وغرباً يجعل الله تعالى صلاتكم مع اختلاف جهاتها في حكم صلاة متحدة الجهة كأنها إلى عين الكعبة أو في المسجد الحرام فيأت بكم مجاز عن جعل الصلاة متحدة الجهة وفائدة الجملة المعللة حينئذٍ بيان حكم الأمر بالاستباق، ومنهم من قال‏:‏ الخطاب في استبقوا إما عام للمؤمنين والكافرين، وإما خاص بالمؤمنين فعلى الأول‏:‏ يراد هنا العموم أي في أي موضع تكونوا من المواضع الموافقة للحق أو المخالفة له، وعلى الثاني‏:‏ الخصوص أي أينما تكونوا في الصلاة أيها المؤمنون من الجهات المتقابلة شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً بعد أن تولوا جهة الكعبة يجعل الله تعالى صلاتكم كأنها إلى جهة واحدة لاتحادكم في الجهة التي أمرتم بالاتجاه إليها وليس بشيء كما لا يخفى ‏{‏إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ‏}‏ ومن ذلك إماتتكم وإحياؤكم، وجمعكم والجملة تذييل وتأكيد لما تقدم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏149 - 150‏]‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏149‏)‏ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏150‏)‏‏}‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام‏}‏ عطف على ‏{‏فَاسْتَبِقُوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 148‏]‏ و‏{‏حَيْثُ‏}‏ ظرف لازم الإضافة إلى الجمل غالباً، والعامل فيها ما هو في محل الجزاء لا الشرط فهي هنا متعلقة بولّ والفاء صلة للتنبيه على أن ما بعدها لازم لما قبلها لزوم الجزاء للشرط لأن حيث وإن لم تكن شرطية لكنها لدلالتها على العموم أشبهت كلمات الشرط ففيها رائحة الشرط، ولا يجوز تعلقها بخرجت لفظاً وإن كانت ظرفاً له معنى لئلا يلزم عدم الإضافة والمعنى من أي موضع خرجت فولّ وجهك من ذلك الموضع شطر الخ، و‏(‏ من‏)‏ ابتدائية لأن الخروج أصل لفعل ممتد وهو المشي وكذا التولية أصل للاستقبال وقت الصلاة الذي هو ممتد، وقيل‏:‏ إن حيث متعلقة بولّ والفاء ليست زائدة، وما بعدها يعمل فيما قبلها كما بين في محله إلا أنه لا وجه لاجتماع الفاء والواو فالوجه أن يكون التقدير افعل ما أمرت به من حيث خرجت فول فيكون ‏{‏فَوَلّ‏}‏ عطفاً على المقدر، ويجوز أن يجعل من حيث خرجت بمعنى أينما كنت وتوجهت فيكون فول جزاءاً له على أنها شرطية العامل فيها الشرط ولا يخفى ما فيه من التكلف والتخريج على قول ضعيف لم يذهب إليه إلا الفراء وهو شرطية حيث بدون ما حتى قالوا‏:‏ إنه لم يسمع في كلام العرب، ثم الأمر بالتولية مقيد بالقيام إلى الصلاة للإجماع على عدم وجوب استقبال القبلة في غير ذلك‏.‏

‏{‏وَأَنَّهُ‏}‏ أي الاستقبال أو الصرف أو التولية والتذكير باعتبار أنها أمر من الأمور أو لتذكير الخبر أو لعدم الاعتداد بتأنيث المصدر أو بذي التاء الذي لا معنى للمجرد عنه سواء كان مصدراً أو غيره، وإرجاع الضمير للأمر السابق واحد الأوامر على قربه بعيد ‏{‏لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ‏}‏ أي الثابت الموافق للحكمة‏.‏ ‏{‏وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ فيجازيكم بذلك أحسن الجزاء فهو وعيد للمؤمنين، وقرىء ‏(‏يعملون‏)‏ على صيغة الغيبة فهو وعيد للكافرين، والجملة عطف على ما قبلها وهما اعتراض للتأكيد‏.‏

‏؟‏‏؟‏‏؟‏

‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ‏}‏ معطوف على مجموع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِكُلّ وِجْهَةٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 8 14‏]‏ الخ أو على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 144‏]‏ الخ عطف القصة على القصة وليس معطوفاً على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 149‏]‏ الداخل تحت فاء السببية الدالة على ترتبه على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِكُلّ وِجْهَةٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 148‏]‏ لأنه معلل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ‏}‏ وهو وإن كان علة لولوا لا لمحذوف أي عرفناكم وجه الصواب في قبلتكم والحجة في ذلك كما قيل به‏:‏ إلا أنه يفهم منه كونه علة لول لأن انقطاع الحجة بالتولية إذا حصل للأمة كان حصوله بها للرسول صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى، ولو جعل الخطاب عاماً للرسول صلى الله عليه وسلم والأمة ولم يلتزم تخصيصه بالأمة على حد خطابات الآية كان علة لهما وإنما كرر هذا الحكم لتعدد علله، والحصر المستفاد من ‏{‏إِلاَّ لِنَعْلَمَ‏}‏ الخ إضافي أو ادعائي فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل، أولاً‏:‏ تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته، وجري العادة الإلهية على أن يؤتي كل أهل ملة وجهة ثانياً‏:‏ ودفع حجج المخالفين ثالثاً‏:‏ فإن التولية إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة لا الصخرة وهذا النبي يصلي إلى الصخرة فلا يكون النبي الموعود، وبأنه صلى الله عليه وسلم يدعي أنه صاحب شريعة ويتبع قبلتنا وبينهما تدافع لأن عادته سبحانه وتعالى جارية بتخصيص كل صاحب شريعة بقبلة، وتدفع احتجاج المشركين بأنه عليه الصلاة والسلام يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته وترك سبحانه التعميم بعد التخصيص في المرتبة الثالثة اكتفاءً بالعموم المستفاد من العلة، وزاد ‏{‏مّنْ حَيْثُ خَرَجْتَ‏}‏ دفعاً لتوهم مخالفة حال السفر لحال الحضر بأن يكون حال السفر باقياً على ما كان كما في الصلاة حيث زيد في الحضر ركعتان أو يكون مخيراً بين التوجهين كما في الصوم‏.‏

وقد يقال فائدة هذا التكرار الاعتناء بشأن الحكم لأنه من مظان الطعن وكثرة المخالفين فيه لعدم الفرق بين النسخ والبداء، وقيل‏:‏ لا تكرار فإن الأحوال ثلاثة، كونه في المسجد كونه في البلد خارج المسجد وكونه خارج البلد، فالأول‏:‏ محمول على الأول، والثاني‏:‏ على الثاني، والثالث‏:‏ على الثالث، ولا يخفى أنه مجرد تشه لا يقوم عليه دليل‏.‏

‏{‏إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ‏}‏ إخراج من الناس، وهو بدل على المختار، والمعنى عند القائلين بأن الاستثناء من النفي إثبات‏:‏ لئلا يكون لأحد من الناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا بالعناد فإن لهم عليكم حجة فإن اليهود منهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً لدين قومه وحباً لبلده، والمشركين منهم يقولون بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم، وتسمية هذه الشبهة الباطلة حجة مع أنها عبارة عن البرهان المثبت للمقصود لكونها شبيهة بها باعتبار أنهم يسوقونها مساقها، واعترض بأن صدر الكلام لو تناول هذا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وإلا لم يصح الاستثناء لأن الحجة مختصة بالحقيقة، ولا محيص سوى أن يراد بالحجة المتمسك حقاً كان أو باطلاً، وأجيب بأنه لم يستثن شبهتهم عن الحجة بل ذواتهم عن الناس إلا أنه لزم تسمية شبهتهم حجة باعتبار مفهوم المخالفة فلا حاجة إلى تناول الصدر إياها، وأنت تعلم أن مراد المعترض إن الاستثناء وإن كان من الناس إلا أنه يثبت به ما نفي عن المستثني منه للمستثني بناءً على أن الاستثناء من النفي إثبات فإن كان الصدر مشتملاً على ما أثبت للمستثني لزم الجمع وإلا لم يتحقق الاستثناء بمقتضاه إذ الثابت للمستثنى منه شيء وللمستثنى شيء آخر، ولا محيص للتفصي عن ذلك إلا أن يراد بالحجة المتمسك أو ما يطلق عليه الحجة في الجملة فيتحقق حينئذٍ الاستثناء بمقتضاه لأن الشبهة حجة بهذا المعنى كالبرهان، ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ولك أن تحمل الحجة على الاحتجاج والمنازعة كما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 5 1‏]‏ فأمر الاستثناء حينئذٍ واضح إلا أن صوغ الكلام بعيد عن الاستعمال عند إرادة هذا المعنى، وقيل‏:‏ الاستثناء منقطع، وهو من تأكيد الشيء بضده وإثباته بنفيه، والمعنى إن يكن لهم حجة فهي الظلم والظلم لا يمكن أن يكون حجة فحجتهم غير ممكنة أصلاً فهو إثبات بطريق البرهان على حد قوله‏:‏

ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم *** ‏(‏يلام‏)‏ بنسيان الأحبة والوطن

وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما ‏(‏ألا‏)‏ بالفتح والتخفيف وهي حرف يستفتح به الكلام لينبه السامع إلى الإصغاء، و‏{‏الذين‏}‏ مبتدأ خبره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَخْشَوْهُمْ‏}‏ والفاء زائدة فيه للتأكيد، وقيل‏:‏ لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وجوز أن يكون الموصول نصباً على شريطة التفسير، والمشهور أن الخشية مرادفة للخوف أي فلا تخافوا الظالمين لأنهم لا يقدرون على نفع ولا ضر، وجوز عود الضمير إلى الناس وفيه بعد‏.‏ ‏{‏واخشونى‏}‏ أي وخافوني فلا تخالفوا أمري فإن القادر على كل شيء، واستدل بعض أهل السنة بالآية على حرمة التقية التي يقول بها الإمامية، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك في محله‏.‏

‏{‏وَلاِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ الظاهر من حيث اللفظ أنه عطف على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِئَلاَّ يَكُونَ‏}‏ كأنه قيل‏:‏ فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة ولأتم الخ فهو علة لمذكور أي أمرتكم بذلك لأجمع لكم خير الدارين، أما دنيا فلظهور سلطانكم على المخالفين، وأما عقبى فلاثابتكم الثواب الأوفى ولا يرد الفصل بالاستثناء وما بعده لأنه كلا فصل إذ هو من متعلق العلة الأولى، نعم اعترض ببعد المناسبة وبأن إرادة الاهتداء المشعر بها الترجي إنما تصلح علة للأمر بالتولية لا لفعل المأمور به كما هو الظاهر في المعطوف عليه فالظاهر معنى جعله علة لمحذوف أي وأمرتكم بالتولية والخشية لإتمام نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءكم والجملة المعللة معطوفة على الجملة المعللة السابقة، أو عطف على علة مقدرة مثل ‏{‏واخشونى‏}‏ لأحفظكم ولأتم الخ، ورجح بعضهم هذا الوجه بما أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» والترمذي من حديث معاذ بن جبل

«تمام النعمة دخول الجنة» ولا يخفى أنه على الوجه الأول قد يؤول الكلام إلى معنى فاعبدوا، وصلوا متجهين شطر المسجد الحرام لأدخلكم الجنة والحديث لا يأبى هذا بل يطابقه حذو القذة بالقذة فكونه مرجحاً لذلك بمعزل عن التحقيق فإن قيل‏:‏ إنه تعالى أنزل عند قرب وفاته صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏ فبين أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم فكيف قال قبل ذلك بسنين في هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَلاِتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ‏}‏‏؟‏ أجيب بأن تمام النعمة في كل وقت بما يليق به فتدبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏151‏]‏

‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏151‏)‏‏}‏

‏{‏كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ‏}‏ متصل بما قبله، فالكاف للتشبيه وهي في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، والتقدير لأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة أو في الآخرة إتماماً مثل إتمام إرسال الرسول، وذكر الإرسال وإرادة الإتمام من إقامة السبب مقام المسبب، و‏{‏فيكُمْ‏}‏ متعلق بأرسلنا وقدم على المفعول الصريح تعجيلاً بإدخال السرور ولما في صفاته من الطول، وقيل‏:‏ متصل بما بعده أي اذكروني ذكراً مثل ذكري لكم بالإرسال، أو اذكروني بدل إرسالنا فيكم رسولاً فالكاف للمقابلة متعلق باذكروني، ومنها يستفاد التشبيه لأن المتقابلين متشابهان ومتبادلان، وإيثار صيغة المتكلم مع الغير بعد التوحيد افتنان وجريان على سنن الكبرياء وإشارة إلى عظمة نعمة هذا الإرسال، وهذا الرسول صلى الله عليه وسلم ‏{‏يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءاياتنا‏}‏ صفة ‏(‏رسولاً‏)‏ وفيه إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام لأن تلاوة الأمي الآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش أقوى دليل على نبوته ‏{‏وَيُزَكِيكُمْ‏}‏ أي يطهركم من الشرك وهي صفة أخرى للرسول وأتى بها عقب التلاوة لأن التطهير عن ذلك ناشىء عن إظهار المعجزة لمن أراد الله تعالى توفيقه ‏{‏وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة‏}‏ صفة إثر صفة وأخرت لأن تعليم الكتاب وتفهيم ما انطوى عليه من الحكمة الإلهية والأسرار الربانية إنما يكون بعد التخلي عن دنس الشرك ونجس الشك بالاتباع، وأما قبل ذلك فالكفر حجاب، وقدم التزكية على التعليم في هذه الآية وأخرها عنه في دعوة إبراهيم لاختلاف المراد بها في الموضعين، ولكل مقام مقال، وقيل‏:‏ التزكية عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة إلا أنها وسطت بين التلاوة والتعليم المترتب عليها للإيذان بأن كلاً من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لتبادر إلى الفهم كون الكل نعمة واحدة، وقيل‏:‏ قدمت التزكية تارة وأخرت أخرى لأنها علة غائية لتعليم الكتاب والحكمة، وهي مقدمة في القصد والتصور مؤخرة في الوجود والعمل فقدمت وأخرت رعاية لكل منهما، واعترض بأن غاية التعليم صيرورتهم أزكياء عن الجهل لا تزكية الرسول عليه الصلاة والسلام إياها المفسرة بالحمل على ما يصيرون به أزكياء لأن ذلك إما بتعليمه إياهم أو بأمرهم بالعمل به فهي إما نفس التعليم أو أمر لا تعلق له به، وغاية ما يمكن أن يقال‏:‏ إن التعليم باعتبار أنه يترتب عليه زوال الشك وسائر الرذائل تزكيته إياهم فهو باعتبار غاية وباعتبار مغيا كالرمي‏.‏ والقتل في قولهم‏:‏ رماه فقتله فافهم ‏{‏وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ‏}‏ مما لا طريق إلى معرفته سوى الوحي وكان الظاهر و‏{‏مَّا لَمْ تَكُونُواْ‏}‏ ليكون من عطف المفرد على المفرد إلا أنه تعالى كرر الفعل للدلالة على أنه جنس آخر غير مشارك لما قبله أصلاً فهو تخصيص بعد التعميم مبين لكون إرساله صلى الله عليه وسلم نعمة عظيمة ولولاه لكان الخلق متحيزين في أمر دينهم لا يدرون ماذا يصنعون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏152‏]‏

‏{‏فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ‏(‏152‏)‏‏}‏

‏{‏فاذكرونى‏}‏ بالطاعة قلباً وقالباً فيعم الذكر باللسان والقلب والجوارح، فالأول‏:‏ كما في «المنتخب» الحمد والتسبيح والتحميد وقراءة كتاب الله تعالى والثاني‏:‏ الفكر في الدلائل الدالة على التكاليف والوعد والوعيد وفي الصفات الإلهية والأسرار الربانية‏.‏ والثالث‏:‏ استغراق الجوارح في الأعمال المأمور بها خالية عن الأعمال المنهي عنها ولكون الصلاة مشتملة على هذه الثلاثة سماها الله تعالى ذكراً في قوله‏:‏ ‏{‏فاسعوا إلى ذِكْرِ الله‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 9‏]‏ وقال أهل الحقيقة‏:‏ حقيقة ذكر الله تعالى أن ينسى كل شيء سواه ‏{‏أَذْكُرْكُمْ‏}‏ أي أجازكم بالثواب، وعبر عن ذلك بالذكر للمشاكلة ولأنه نتيجته ومنشؤه، وفي «الصحيحين»‏:‏ ‏"‏ من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه ‏"‏

‏{‏واشكروا لِي‏}‏ ما أنعمت به عليكم وهو واشكروني بمعنى ولي أفصح مع الشكر وإنما قدم الذكر على الشكر لأن في الذكر اشتغالاً بذاته تعالى وفي الشكر اشتغالاً بنعمته والاشتغال بذاته تعالى أولى من الاشتغال بنعمته‏.‏ ‏{‏وَلاَ تَكْفُرُونِ‏}‏ بجحد نعمتي وعصيان أمري وأردف الأمر بهذا النهي ليفيد عموم الأزمان وحذف ياء المتكلم تخفيفاً لتناسب الفواصل وحذفت نون الرفع للجازم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏153‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏153‏)‏‏}‏

‏{‏يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ استعينوا بالصبر‏}‏ على الذكر والشكر وسائر الطاعات من الصوم والجهاد وترك المبالاة بطعن المعاندين في أمر القبلة ‏{‏والصلاة‏}‏ التي هي الأصل والموجب لكمال التقرب إليه تعالى‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الصابرين‏}‏ معية خاصة بالعون والنصر ولم يقل مع المصلين لأنه إذا كان مع الصابرين كان مع المصلين من باب أولى لاشتمال الصلاة على الصبر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏154‏]‏

‏{‏وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ‏(‏154‏)‏‏}‏

‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ‏}‏ عطف على ‏{‏واستعينوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 153‏]‏ الخ مسوق لبيان إنه لا غائلة للمأمور به وإن الشهادة التي ربما يؤدي إليها الصبر حياة أبدية ‏{‏لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله‏}‏ أي في طاعته وإعلاء كلمته وهم الشهداء واللام للتعليل لا للتبليغ لأنهم لم يبلغوا الشهداء قولهم‏:‏ ‏{‏أموات‏}‏ أي هم أموات‏.‏ ‏{‏بَلْ أَحْيَاء‏}‏ أي بل هم أحياء، والجملة معطوفة على ‏{‏لاَ تَقُولُواْ‏}‏ إضراب عنه، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون في حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا في شأنهم أنهم أحياء وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً‏.‏

‏{‏وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ‏}‏ أي لا تحسون ولا تدركون ما حالهم بالمشاعر لأنها من أحوال البرزخ التي لا يطلع عليها ولا طريق للعلم بها إلا بالوحي واختلف في هذه الحياة‏.‏ فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنا لا ندركها في هذه النشأة، واستدلوا بسياق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 196‏]‏ وبأن الحياة الروحانية التي ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم، وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون لا ينافي ذلك فقد روي عن الحسن أن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض الناس على أرواح آل فرعون غدواً وعشياً فيصل إليهم الوجع، فوصول هذا الروح إلى الروح هو الرزق، والامتياز ليس بمجرد الحياة بل مع ما ينضم إليها من اختصاصهم بمزيد القرب من الله عز شأنه ومزيد البهجة والكرامة، وذهب البلخي إلى نفي الحياة بالفعل عنهم مطلقاً وأخرج الجملة الإسمية الدالة على الاستمرار المستوعب للأزمنة من وقت القتل إلا ما لا آخر له عن ظاهرها وقال‏:‏ معنى ‏{‏بَلْ أَحْيَاء‏}‏ إنهم يحيون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء، فالآية على حد ‏{‏إِنَّ الابرار لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ‏}‏ ‏[‏الإنفطار‏:‏ 3 1، 4 1‏]‏ وفائدة الأخبار بذلك الرد على المشركين حيث قالوا‏:‏ إن أصحاب محمد يقتلون أنفسهم ويخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم فكأنه قيل‏:‏ ليس الأمر كما زعمتم بل يحيون ويخرجون، وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة، وحكى عن الأصم أن المراد بالموت والحياة الضلال والهدى أي لا تقولوا هم أموات في الدين ضالون عن الصراط المستقيم بل هم أحياء بالطاعة قائمون بأعبائها، ولا يخفى أن هذه الأقوال ما عدا الأولين في غاية الضعف بل نهاية البطلان، والمشهور ترجيح القول الأول، ونسب إلى ابن عباس، وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبائي والرماني، وجماعة من المفسرين لكنهم اختلفوا في المراد بالجسد، فقيل‏:‏ هو هذا الجسد الذي هدمت بنيته بالقتل ولا يعجز الله تعالى أن يحل به حياة تكون سبب الحس والإدراك وإن كنا نراه رمة مطروحة على الأرض لا يتصرف ولا يرى فيه شيء من علامات الأحياء، فقد جاء في الحديث‏:‏

‏"‏ إن المؤمن يفسح له مد بصره ويقال له نم نومة العروس ‏"‏ مع أنا لا نشاهد ذلك إذ البرزخ برزخ آخر بمعزل عن أذهاننا وإدراك قوانا‏.‏ وقيل‏:‏ جسد آخر على صورة الطير تتعلق الروح فيه، واستدل بما أخرجه عبد الرزاق عن عبد الله بن كعب بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن أرواح الشهداء في صور طير خضر معلقة في قناديل الجنة حتى يرجعها الله تعالى يوم القيامة ‏"‏ ولا يعارض هذا ما أخرجه مالك، وأحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه عن كعب بن مالك‏:‏ ‏"‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة ‏"‏ ولا ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن ابن مسعود مرفوعاً ‏"‏ إن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش ‏"‏ لأن كونها في الأجواف أو في الحواصل يجامع كونها في تلك الصور إذ الرائي لا يرى سواها، وقيل‏:‏ جسد آخر على صور أبدانهم في الدنيا بحيث لو رأى الرائي أحدهم لقال‏:‏ رأيت فلاناً وإلى ذلك ذهب بعض الإمامية واستدلوا بما أخرجه أبو جعفر مسنداً إلى يونس بن ظبيان قال‏:‏ كنت عند أبي عبد الله جالساً فقال‏:‏ ما تقول الناس في أرواح المؤمنين‏؟‏ قلت‏:‏ يقولون‏:‏ في حواصل طير خضر في قناديل تحت العرش، فقال أبو عبد الله‏:‏ سبحان اللها المؤمن أكرم على الله تعالى من أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر يؤنس المؤمن إذا قبضه الله تعالى صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا‏.‏ ووجه الاستدلال إذا كان المراد بالمؤمنين الشهداء ظاهر، وأما إذا كان المراد بهم سائر من آمن فيعلم منه حال الشهداء وأن أرواحهم ليست في الحواصل بطريق الأولى، وعندي أن الحياة في البرزخ ثابتة لكل من يموت من شهيد وغيره، وأن الأرواح وإن كانت جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن لكن لا مانع من تعلقها ببدن برزخي مغاير لهذا البدن الكثيف، وليس ذلك من التناسخ الذي ذهب إليه أهل الضلال، وإنما يكون منه لو لم تعد إلى جسم نفسها الذي كانت فيه والعود حاصل في النشأة الجنانية بل لو قلنا بعدم عودها إليه والتزمنا العود إلى جسم مشابه لما كان في الدنيا مشتمل على الأجزاء النطقية الأصلية أو غير مشتمل لا يلزم ذلك التناسخ أيضاً لأنهم قالوه على وجه نفوا به الحشر والمعاد، وأثبتوا فيه سرمدية عالم الكون والفساد، وأن أرواح الشهداء يثبت لها هذا التعلق على وجه يمتازون به عمن عداهم إما في أصل التعلق أو في نفس الحياة بناءاً على أنها من المشكك لا المتواطىء، أو في نفس المتعلق به مع ما ينضم إلى ذلك من البهجة والسرور والنعيم اللائق بهم، والذي يميل القلب إليه أن لهاتيك الأبدان شبهاً تاماً صورياً بهذه الأبدان، وأن المواد مختلفة والأجزاء متفاوتة إذ فرق بين العالمين، وشتان ما بين البرزخين ويمكن حمل أحاديث الطير على تشبيه هذه الأبدان الغضة الطرية بسرعة حركتها وذهابها حيث شاءت بالطير الخضر، وتحمل الصورة على الصفة كما حملت على ذلك في حديث‏:‏

«خلق آدم على صورة الرحمن» واستبعاد أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه ما تقدم محمول على ما يفهمه العامة من ظاهر اللفظ، ولمزيد الإيضاح اللائق بعوام وقته عدل عنه إلى عبارة لا يتراءى منها شائبة استبعاد كما يتراءى من ظاهر الحديث حتى إن بعض العلماء لذلك حملوا ‏(‏في‏)‏ فيه على على وهو إما تجاهل أو جهل بأن صغر المتعلق أو ضيقه لو كان موجوداً فيما نحن فيه لا يضر الروح شيئاً ولا ينافي نعيمها، أو ظن بأن لتلك الصورة روحاً غير روح الشهيد فلا يمكن أن تتعلق بها روحان، والأمر على خلاف ما يظنون، وإن شئت قلت بتمثل الروح نفسها صورة لأن الأرواح في غاية اللطافة وفيها قوة التجسد كما يشعر به ظهور الروح الأمين عليه السلام بصورة دحية الكلبي رضي الله تعالى عنه‏.‏ وأما القول بحياة هذا الجسد الرميم مع هدم بنيته وتفرق أجزائه وذهاب هيئته وإن لم يكن ذلك بعيداً عن قدرة من يبدأ الخلق ثم يعيده لكن ليس إليه كثير حاجة، ولا فيه مزيد فضل، ولا عظيم مِنة، بل ليس فيه سوى إيقاع ضعفة المؤمنين بالشكوك والأوهام وتكليفهم من غير حاجة بالإيمان بما يعدون قائله من سفهة الأحلام، وما يحكى من مشاهدة بعض الشهداء الذين قتلوا منذ مآت سنين، وأنهم إلى اليوم تشخب جروحهم دماً إذا رفعت العصابة عنها؛ فذلك مما رواه هيان بن بيان وما هو إلا حديث خرافة وكلام يشهد على مصدقيه تقديم السخافة‏.‏

هذا ثم إن نهي المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشهداء أموات، إما أن يكون دفعاً لإيهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البرزخ وتلك خصوصية لهم وإن شاركهم في النعيم بل وزاد عليهم بعض عباد الله تعالى المقربين ممن يقال في حقهم ذلك، وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون في شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولم يروه أبداً، وليس في الآية نهي عن نسبة الموت إليهم بالكلية بحيث إنهم ما ذاقوه أصلاً ولا طرفة عين، وإلا لقال تعالى‏:‏ ولاتقولوا لمن يقتل في سبيل الله ماتوا، فحيث عدل عنه إلى ما ترى علم أنهم امتازوا بعد أن قتلوا بحياة لائقة بهم مانعة عن أن يقال في شأنهم أموات وعدل سبحانه عن ‏{‏قاتلوا‏}‏ المعبر عنه في آل عمران ‏(‏169‏)‏ إلى ‏{‏يُقْتَلُ‏}‏ روماً للمبالغة في النهي، وتأكيد الفعل في تلك السورة يقوم مقام هذا العدول هنا كما قرره بعض أحبابنا من الفضلاء المعاصرين، والآية نزلت كما أخرجه ابن منده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في شهداء بدر وكانوا عدة لياليه ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم أجمعين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏155‏]‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ‏(‏155‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُم‏}‏ عطف على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏استعينوا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 153‏]‏ الخ عطف المضمون على المضمون، والجامع أن مضمون الأولى طلب الصبر، ومضمون الثانية بيان مواطنه، والمراد لنعاملنكم معاملة المبتلي والمختبر، ففي الكلام استعارة تمثيلية لأن الابتلاء حقيقة لتحصيل العلم، وهو محال من اللطيف الخبير والخطاب عام لسائر المؤمنين وقيل‏:‏ للصحابة فقط، وقيل‏:‏ لأهل مكة فقط‏.‏ ‏{‏بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع‏}‏ أي بقليل من ذلك، والقلة بالنسبة لما حفظهم عنه مما لم يقع بهم وأخبرهم سبحانه به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم فإن مفاجأة المكروه أشد، ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به، وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة محمودة‏.‏

‏{‏وَنَقْصٍ مّنَ الاموال والانفس والثمرات‏}‏ عطف إما على ‏(‏شيء‏)‏ ويؤيده التوافق في التنكير ومجيء البيان بعد ‏(‏كل‏)‏ وإما على ‏(‏الخوف‏)‏ ويؤيده قرب المعطوف عليه ودخوله تحت ‏(‏شيء‏)‏ والمراد من الخوف خوف العدو، ومن الجوع القحط إقامة للمسبب مقام السبب قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومن نقص الأموال هلاك المواشي، ومن نقص الأنفس ذهاب الأحبة بالقتل والموت، ومن نقص الثمرات تلفها بالجوائح، ونص عليها مع أنها من الأموال لأنها قد لا تكون مملوكة، وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه‏:‏ الخوف خوف الله تعالى والجوع صوم رمضان، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد، وإطلاق الثمرة على الولد مجاز مشهور لأن الثمرة كل ما يستفاد ويحصل، كما يقال‏:‏ ثمرة العلم العمل، وأخرج الترمذي من حديث أبي موسى وحسنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة‏:‏ أقبضتم ولد عبدي‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، فيقول‏:‏ أقبضتم ثمرة قلبه‏؟‏ فيقولون‏:‏ نعم، فيقول الله تعالى‏:‏ ماذا قال عبدي‏؟‏ فيقولون‏:‏ حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى‏:‏ ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» واعترض ما قاله الإمام بعد تسلم أن الآية نزلت قبل فرضية الصوم والزكاة بأن خوف الله تعالى لم تزل قلوب المؤمنين مشحونة به قبل نزول الآية، وكذا الأمراض وموت الأولاد موجودان قبل، فلا معنى للوعد بالابتلاء بذلك، وكذا لا معنى للتعبير عن الزكاة وهي النمو والزيادة بالنقص، وأجيب بأن كون قلوب المؤمنين مشحونة بالخوف قبل لا ينافي ابتلاءهم في الاستقبال بخوف آخر، فإن الخوف يتضاعف بنزول الآيات، وكذا الأمراض، وموت الأولاد أمور متجددة يصح الابتلاء بها في الآتي من الأزمان، والتعبير عن الزكاة بالنقص لكونها نقصاً صورة وإن كانت زيادة معنى فعند الابتلاء سماها نقصاً، وعند الأمر بالأداء سماها زكاة ليسهل أداؤها‏.‏

‏{‏وَبَشّرِ الصابرين‏}‏ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة، والجملة عطف على ما قبلها عطف المضمون على المضمون من غير نظر إلى الخبرية والإنشائية والجامع ظاهر كأنه قيل‏:‏ الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة ولكن لمن صبر منكم، وقيل‏:‏ على محذوف أي أنذر الجازعين وبشر

وفي توصيف الصابرين بقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏156‏]‏

‏{‏الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ‏(‏156‏)‏‏}‏

إشارة إلى أن الأجر لمن صبر وقت إصابتها، كما في الخبر «إنما الصبر عند أول صدمة» والمصيبة تعم ما يصيب الإنسان من مكروه في نفس أو مال أو أهل قليلاً كان المكروه أو كثيراً حتى لدغ الشوكة، ولسع البعوضة، وانقطاع الشسع، وانطفاء المصباح، وقد استرجع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال‏:‏ «كل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر» وليس الصبر بالاسترجاع باللسان، بل الصبر باللسان وبالقلب بأن يخطر بباله ما خلق لأجله من معرفة الله تعالى وتكميل نفسه، وأنه راجع إلى ربه وعائد إليه بالبقاء السرمدي، ومرتحل عن هذه الدنيا الفانية وتارك لها على علاتها، ويتذكر نعم الله تعالى عليه ليرى ما أعطاه أضعاف ما أخذ منه فيهون على نفسه ويستسلم له، والصبر من خواص الإنسان لأنه يتعارض فيه العقل والشهوة، والاسترجاع من خواص هذه الأمة، فقد أخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم، أن تقول عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون» وفي رواية‏:‏ أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئاً لم تعطه الأنبياء قبلهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ولو أعطيها الأنبياء قبلهم لأعطيها يعقوب إذ يقول‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 48‏]‏ ويسن أن يقول بعد الاسترجاع‏:‏ اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، فقد أخرج مسلم عن أم سلمة قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني الخ، إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف له خيراً منها» قالت فلما توفي أبو مسلم قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله تعالى لي خيراً منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومفعول ‏{‏بُشّرَ‏}‏ محذوف أي برحمة عظيمة وإحسان جزيل

بدليل قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏157‏]‏

‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ‏(‏157‏)‏‏}‏

‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ‏}‏ الصلاة في الأصل على ما عليه أكثر أهل اللغة الدعاء ومن الله تعالى الرحمة، وقيل‏:‏ الثناء، وقيل‏:‏ التعظيم، وقيل‏:‏ المغفرة، وقال‏:‏ الإمام الغزالي‏:‏ الاعتناء بالشأن، ومعناها الذي يناسب أن يراد هنا سواء كان حقيقياً أو مجازياً الثناء والمغفرة لأن إرادة الرحمة يستلزم التكرار، ويخالف ما روي «نعم العدلان للصابرين الصلاة والرحمة» وحملها على التعظيم والاعتناء بالشأن يأباهما صيغة الجمع ثم إن جوزنا إرادة المعنيين بتجويز عموم المشترك أو الجمع بين الحقيقة والمجاز أو بين المعنيين المجازيين يمكن إرادة المعنيين المذكورين كليهما وإلا فالمراد أحدهما والرحمة تقدم معناها وأتى بعلى إشارة إلى أنهم منغمسون في ذلك وقد غشيهم وتجللهم فهو أبلغ من اللام، وجمع ‏(‏صلوات‏)‏ للإشارة إلى أنها مشتملة على أنواع كثيرة على حسب اختلاف الصفات التي بها الثناء والمعاصي التي تتعلق بها المغفرة، وقيل‏:‏ للإيذان بأن المراد صلاة بعد صلاة على حد التثنية في «لبيك وسعديك» وفيه أن مجيء الجمع لمجرد التكرار لم يوجد له نظير، والتنوين فيها وكذا فيما عطف عليها للتفخيم والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لإظهار مزيد العناية بهم، ومن ابتدائية، وقيل‏:‏ تبعيضية، وثَمّ مضاف محذوف أي‏:‏ من ‏(‏صلوات‏)‏ ربهم، وأتى بالجملة اسمية للإشارة إلى أن نزول ذلك عليهم في الدنيا والآخرة‏.‏ فقد أخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه مرفوعاً‏:‏ ‏"‏ من استرجع عند المصيبة جبر الله تعالى مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه ‏"‏

‏{‏وَأُوْلئِكَ‏}‏ إشارة كسابقه إلى الصابرين المنعوتين بما ذكر من النعوت، والتكرير لإظهار كمال العناية بهم، ويجوز أن يكون إشارة إليهم باعتبار حيازتهم ما ذكر من الصلوات والرحمة المترتبة على ما تقدم، فعلى الأول المراد بالاعتداء في قوله عز شأنه ‏{‏هُمُ المهتدون‏}‏ هو الاهتداء للحق والصواب مطلقاً، والجملة مقررة لما قبل كأنه قيل‏:‏ وأولئك هم المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب، ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى، وعلى الثاني هو الاهتداء والفوز بالمطالب، والمعنى‏:‏ أولئك هم الفائزون بمطالبهم الدينية والدنيوية فإن من مال كما تزكية الله تعالى ورحمته لم يفته مطلب‏.‏

ومن باب الإشارة والتأويل‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ الإيمان العياني ‏{‏استعينوا بالصبر‏}‏ معي عند سطوات تجليات عظمتي وكبريائي، ‏{‏والصلاة‏}‏ أي الشهود الحقيقي ‏{‏إِنَّ الله مَعَ الصابرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 153‏]‏ المطيقين لتجليات أنواري ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ‏}‏ يجعل فانياً مقتولاً في سلوك سبيل التوحيد ‏{‏أَمْوَاتٌ‏}‏ أي عجزة مساكين بل هم أحياء عند ربهم بالحياة الحقيقية الدائمة السرمدية شهداء لله تعالى قادرون به

‏{‏وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 154‏]‏ لعمى بصيرتكم وحرمانكم من النور الذي تبصر به القلوب أعيان عالم القدس وحقائق الأرواح ‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف‏}‏ أي خوفي الموجب لانكسار النفس وانهزامها ‏{‏والجوع‏}‏ الموجب لهتك البدن وضعف القوى ورفع حجاب الهوى وتضييق مجاري الشيطان إلى القلب ‏{‏وَنَقْصٍ مّنَ الاموال‏}‏ التي هي مواد الشهوات المقوية للنفس الزائدة في طغيانها ‏{‏والانفس‏}‏ المستولية على القلب بصفاتها أو أنفس الأحباب الذين تأوون إليهم لتنقطعوا إلى ‏{‏والثمرات‏}‏ أي الملاذ النفسانية لتلتذوا بالمكاشفات والمعارف القلبية والمشاهدات الروحية عند صفاء بواطنكم وخلوص نضار قلوبكم بنار الرياضة ‏{‏وَبَشّرِ الصابرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 155‏]‏ معي بي أو عن مألوفاتهم بلذة محبتي ‏{‏الذين إِذَا مِن مُّصِيبَةٍ‏}‏ من تصرفاتي فيهم شاهدوا آثار قدرتي بل أنوار تجليات صفتي واستسلموا وأيقنوا أنهم ملكي أتصرف فيه بتجلياتي وتفانوا فيّ وشاهدوا هلكهم بي فقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم بالوجود الموهوب لهم بعد الفناء المنهلة عليه صفاتي الساطعة عليه أنواري ‏{‏وَرَحْمَةً‏}‏ أي هداية يهدون بها خلقي، ومن أراد التوجه نحوي ‏{‏وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون‏}‏ بي الواصلون إلى بعد تخلصهم من وجودهم الذي هو الذنب الأعظم عندي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏158‏]‏

‏{‏إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ‏(‏158‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله‏}‏ لما أشار سبحانه فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان معالم الحج فكأنه جمع بين الحج والغزو، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال، وقيل‏:‏ لما ذكر الصبر عقبه ببحث الحج لما فيه من الأمور المحتاجة إليه، والصفا في الأصل الحجر الأملس مأخوذ من صفا يصفو إذا خلص، واحده صفاة كحصى وحصاة، ونوى ونواة وقيل‏:‏ إن الصفا واحد قال المبرد وهو كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب، وأصله من الواو لأنك تقول في تثنيته صفوان ولا يجوز إمالته، والمروة في الأصل الحجر الأبيض اللين والمرو لغة فيه، وقيل‏:‏ هو جمع مثل تمرة وتمر، ثم صارا في العرف علمين لموضعين معروفين بمكة للغلبة، واللام لازمة فيهما، وقيل‏:‏ سمي الصفا لأنه جلس عليه آدم صفي الله تعالى، وسمي المروة لأنه جلست عليه امرأته حواء، والشعائر جمع شعيرة، أو شعارة وهي العلامة والمراد بهما أعلام المتعبدات أو العبادات الحجية، وقيل‏:‏ المعنى إن الطواف بين هذين الجبلين من علامات دين الله تعالى، أو أنهما من المواضع التي يقام فيها دينه، أو من علاماته التي تعبد بالسعي بينهما لا من علامات الجاهلية‏.‏

‏{‏فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر‏}‏ الحج لغة القصد مطلقاً أو إلى معظم، وقيده بعضهم بكونه على وجه التكرار، والعمرة الزيارة أخذاً من العمارة كأن الزائر يعمر المكان بزيارته فغلبا شرعاً على المقصد المتعلق بالبيت وزيارته على الوجهين المخصوصين، والبيت خارج من المفهوم، والنسبة مأخوذة فيه فلا بد من ذكره فلا يرد أن البيت مأخوذ في مفهومهما فيكفي من حج أو اعتمر ولا حاجة إلى أن يتكلف بأنه مأخوذ في مفهوم الاسمين خارج عن مفهوم الفعلين، وعلى تقدير أخذه في مفهومهما يعتبر التجريد ليظهر شرف البيت‏.‏

‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا‏}‏ أي لا إثم عليه في أن يطوف‏.‏ وأصل الجناح الميل، ومنه ‏{‏وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ‏}‏ ‏[‏الأتفال‏:‏ 1 6‏]‏ وسمي الاسم به لأنه ميل من الحق إلى الباطل، وأصل يطوف يتطوف فأدغمت التاء في الطاء، وسبب النزول ما صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة زعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله تعالى فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، ومنه يعلم دفع ما يتراءى أنه لا يتصور فائدة في نفي الجناح بعد إثبات أنهما من الشعائر بل ربما لا يتلازمان إذ أدنى مراتب الأول الندب وغاية الثاني الإباحة، وقد وقع الإجماع على مشروعية الطواف بينهما في الحج والعمرة لدلالة نفي الجناح عليه قطعاً لكنهم اختلفوا في الوجوب، فروي عن أحمد أنه سنة وبه قال أنس وابن عباس وابن الزبير لأن نفي الجناح يدل على الجواز، والمتبادر منه عدم اللزوم كما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 230‏]‏ وليس مباحاً بالاتفاق ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِن شَعَائِرِ الله‏}‏ فيكون مندوباً، وضعف بأن نفي الجناح وإن دل على الجواز المتبادر منه عدم اللزوم إلا أنه يجامع الوجوب فلا يدفعه ولا ينفيه والمقصود ذلك فلعل ههنا دليلاً يدل على الوجوب كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 101‏]‏ ولعل هذا كقولك لمن عليه صلاة الظهر مثلاً وظهر أنه لا يجوز فعلها عند الغروب فسأل عن ذلك‏:‏ لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت فإنه جواب صحيح ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر، وعن الشافعي ومالك أنه ركن وهو رواية عن الإمام أحمد واحتجوا بما أخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا» ومذهب إمامنا أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه واجب يجبر بالدم لأن الآية لا تدل إلا على نفي الإثم المستلزم للجواز، والركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد، والحديث إنما يفيد حصول الحكم معلللاً ومقرراً في الذهن، ولا يدل على بلوغه غاية الوجوب بحيث يفوت الجواز بفوته لتتحقق الركنية وهو ظني السند وإن فرض قطعي الدلالة فلا يدل على الفرضية، وما روى مسلم عن عائشة أنها قالت لعمري ما أتم الله تعالى حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته ليس فيه دليل على الفرضية أيضاً سلمنا لكنه مذهب لها، والمسألة اجتهادية فلا تلزم به على أنه معارض بما أخرجه الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي أنه قال‏:‏ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة فقلت‏:‏ يا رسول الله جئت من جبل طي ما تركت جبلاً إلا وقفت عليه فهل لي من حج‏؟‏ فقال‏:‏ «من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف، وقد أدرك عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» فأخبر صلى الله عليه وسلم بتمام حجه، وليس فيه السعي بينهما، ولو كان من فروضه لبينه للسائل لعلمه بجهله، وقرأ ابن مسعود وأبيّ ‏(‏أن لا يطوف‏)‏ ولا تصلح أن تكون ناصرة للقول الأول لأنها شاذة لا عمل بها مع ما يعارضها ولاحتمال أن ‏(‏لا‏)‏ زائدة كما يقتضيه السياق‏.‏

‏{‏وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا‏}‏ أي من انقاد انقياداً خيراً، أو بخير، أو آتيا بخير فرضاً كان أو نفلاً، وهو عطف على ‏{‏فَمَنْ حَجَّ‏}‏ الخ مؤكد أمر الحج والعمرة والطواف تأكيد الحكم الكلي للجزئي، أو من تبرع تبرعاً خيراً أو بخير أو آتيا بخير من حج أو عمرة أو طواف لقرينة المساق، وعليه تكون الجملة مسوقة لإفادة شرعية التنفل بالأمور الثلاثة، وفائدة ‏{‏خَيْرًا‏}‏ على الوجهين مع أن التطوع لا يكون إلا كذلك التنصيص بعموم الحكم بأن من فعل خيراً أي خير كان يثاب عليه، أو من تبرع تبرعاً خيراً أو بخير أو آتيا بخير من السعي فقط بناءاً على أنه سنة، والجملة حينئذ تكميل لدفع ما يتوهم من نفي الجناح من الإباحة، وفائدة القيد التنصيص بخيرية الطواف دفعاً لحرج المسلمين‏.‏ وقرأ ابن مسعود ‏(‏ومن تطوع بخير‏)‏ وحمزة، والكسائي، ويعقوب ‏(‏يطوع‏)‏ على صيغة المضارع المجزوم لتضمن ‏{‏مِنْ‏}‏ معنى الشرط وأصله يتطوع فأدغم‏.‏

‏{‏فَإِنَّ الله شَاكِرٌ‏}‏ أي مجاز على الطاعة بالثواب وفي التعبير به مبالغة في الإحسان إلى العباد ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها فلا ينقص من أجورهم شيئاً، وبهذا ظهر وجه تأخير هذه الصفة عما قبلها، ومن قال‏:‏ أتى بالصفتين ههنا لأن التطوع بالخير يتضمن الفعل والقصد فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل وذكر العلم باعتبار القصد وأخر صفة العلم وإن كانت متقدمة على الشكر كما أن النية متقدمة على الفعل لتواخي رءوس الآي لم يأت بشيء‏.‏ وهذه الجملة علة لجواب الشرط المحذوف قائم مقامه كأنه قيل‏:‏ ومن تطوع خيراً جازاه الله تعالى أو أثابه فإن الله شاكر عليم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏159‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ‏(‏159‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ‏}‏ أخرج جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفراً من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وعن قتادة أنها نزلت في الكاتمين من اليهود والنصارى، وقيل نزلت في كل من كتم شيئاً من أحكام الدين لعموم الحكم للكل فقد روى البخاري، وابن ماجه، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال‏:‏ لولا آية في كتاب الله تعالى ماحدثت آحداً بشيء أبداً ثم تلا هذه الآية، وأخرج أبو يعلى، والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار» والأقرب أنها نزلت في اليهود والحكم عام كما تدل عليه الأخبار وكونها نزلت في اليهود لا يقتضي الخصوص فإن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فالموصول للاستغراق ويدخل فيه من ذكر دخولاً أولياً، والكتم والكتمان ترك إظهار الشيء قصداً مع مساس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره وذلك قد يكون بمجرد ستره وإخفائه وقد يكون بإزالته ووضع شيء آخر موضعه واليهود قاتلهم الله تعالى ارتكبوا كلا الأمرين ‏{‏مَا أَنَزَلْنَا‏}‏ على الأنبياء ‏{‏مِنَ البينات‏}‏ أي الآيات الواضحة الدالة على الحق ومن ذلك ما أنزلناه على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام في أمر محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏والهدى‏}‏ عطف على ‏{‏البينات‏}‏ والمراد به ما يهدى إلى الرشد مطلقاً ومنه ما يهدى إلى وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم والإيمان به وهي الآيات الشاهدة على صدقه عليه الصلاة والسلام، والعطف باعتبار التغاير في المفهوم كجاءني فالأكل فالشارب، وقيل‏:‏ إنه عطف على ‏{‏مَا أَنَزَلْنَا‏}‏ الخ، والمراد بالأول الأدلة النقلية، وبالثاني ما يدخل فيه الأدلة العقلية، أو المراد بالأول‏:‏ التنزيل، وبالثاني‏:‏ ما يقتضيه من الفوائد، ولا يخفى أنه تكلف يأبى عنه قرب المعطوف عليه والتبيين الدال على كمال الوضوح في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ‏}‏ أي شرحناه وأظهرناه لهم والظرف متعلق بيكتمون واللام في الناس صلة بينا أو لام الأجل، والمراد بهم الجنس أو الاستغراق، وفي تقييد الكتمان بالظرف إشارة إلى شناعة حالهم بأنهم يكتمون ما وضح للناس وإلى عظم الإثم بأنهم يكتمون ما فيه النفع العام‏.‏

‏{‏فِى الكتاب‏}‏ متعلق ببيناه وتعلق جارين بفعل واحد عند اختلاف المعنى مما لا ريب في جوازه، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من مفهوله، والمراد به الجنس، وقيل‏:‏ التوراة، وقيل‏:‏ هي والإنجيل، وقيل‏:‏ القرآن، والمراد من الناس أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الناس من حمل البينات على ما في القرآن وعلق ‏{‏مِن بَعْدِ‏}‏ بـ ‏{‏أَنزَلْنَا‏}‏، وفسر ‏(‏الكتاب‏)‏ بالتوراة والكتمان بعدم الاعتراف بالحقية، ولعل ما ذهبنا إليه أولى من جميع ذلك

‏{‏أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله‏}‏ أي يبعدهم عن رحمته ويذيقهم أليم نقمته والالتفات إلى الغيبة بإظهار اسم الذات لتربية المهابة والإشعار بأن مبدأ صدور اللعن صفة الجلال المغايرة لما هو مبدأ الإنزال والتبيين من صفة الجمال، ولم يؤت بالفاء في هذه الجملة التي هي خبر الموصول كما أتى به فيما بعد من قوله سبحانه‏:‏

‏{‏فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 160‏]‏ مع أن الموصول متضمن لمعنى الشرط وقصد السببية في الموضعين ولذا أورد اسم الإشارة الذي تعليق الحكم به كتعليقه بالمشتق، قيل‏:‏ لئلا يتوهم أن لعنهم إنما هو بهذا السبب بناءاً على أن فاء السببية في الأصل لكونه فاء التعقيب يفيد أن حصول المسبب بعد السبب بلا تراخ، وقد يقصد منه ذلك بمعونة المقام كما في الآية بعد، وليس كذلك بل له أسباب جمة وبهذا علم أن اسم الإشارة لا يغني عن الفاء لأنه يشعر بالسببية ولا يشعر بالتعقيب الموهم للانحصار بناءاً على امتناع التوارد‏.‏

‏{‏وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون‏}‏ أي من يتأتى منه اللعن عليهم من الملائكة والثقلين، فالمراد باللاعنون معناه الحقيقي وليس على حد من قتل قتيلاً في المشهور؛ والاستغراق عرفي أي كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف، وليس بحقيقي حتى يرد أنه لا يلعنهم كل لاعن في الدنيا، ويحتاج إلى التخصيص وإنما أعاد الفعل لأن لعنة اللاعنين بمعنى الدعاء عليهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى، وروى البيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد تفسير اللاعنين بدواب الأرض حتى العقارب والخنافس، ولعل الجمع حينئذ على حد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 4‏]‏ واستدل بهذه الآية على وجوب إظهار علم الشريعة وحرم كتمانه لكن اشترطوا لذلك أن لا يخشى العالم على نفسه وأن يكون متعيناً وإلا لم يحرم عليه الكتم إلا إن سئل فيتعين عليه الجواب ما لم يكن إثمه أكبر من نفعه قالوا‏:‏ وفيها دليل أيضاً على وجوب قبول خبر الواحد لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله، ويستدل بها على عدم وجوب ذلك على النساء بناءاً على أنهن لا يدخلن في خطاب الرجال‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏160‏]‏

‏{‏إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏160‏)‏‏}‏

‏{‏إِلاَّ الذين تَابُواْ‏}‏ أي رجعوا عن الكتمان أو عنه وعن سائر ما يجب أن يتاب عنه بناءاً على أن حذف المعمول يفيد العموم، وفيه إشارة إلى أن التوبة عن الكتمان فقط لا يوجب صرف اللعن عنهم ما لم يتوبوا عن الجميع فإن للعنهم أسباباً جمة ‏{‏وَأَصْلَحُواْ‏}‏ ما أفسدوا بالتدارك فيما يتعلق بحقوق الحق والخلق ومن ذلك أن يصلحوا قومهم بالإرشاد إلى الإسلام بعد الإضلال وأن يزيلوا الكلام المحرف ويكتبوا مكانه ما كانوا أزالوه عند التحريف ‏{‏وَبَيَّنُواْ‏}‏ أي أظهروا ما بينه الله تعالى للناس معاينة وبهذين الأمرين تتم التوبة، وقيل‏:‏ أظهروا ما أحدثوه من التوبة ليمحوا سمة الكفر عن أنفسهم ويقتدى بهم أضرابهم فإن إظهار التوبة ممن يقتدي به شرط فيها على ما يشير إليه بعض الآثار، وفيه أن الصحيح إظهار التوبة إنما هو لدفع معصية المتابعة وليس شرطاً في التوبة عن أصل المعصية فهو داخل في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأصلحوا‏)‏ ‏{‏فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ‏}‏ بالقبول وإفاضة المغفرة والرحمة ‏{‏هُوَ التواب الرحيم‏}‏ عطف على ما قبله تذييل له والالتفات إلى التكلم للافتنان مع ما فيه من الرمز إلى اختلاف مبدأ فعليه السابق واللاحق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏161‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏161‏)‏‏}‏

‏{‏إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ‏}‏ الموصول للعهد كما هو الأصل، والمراد به الذين كتموا وعبر عن الكتمان بالكفر نعياً عليهم به، والجملة عديلة لما فيها ‏(‏إلا‏)‏ ولم تعطف عليها إشارة إلى كمال التباين بين الفريقين، والآية مشتملة على الجمع والتفريق جمع الكاتمين في حكم واحد وهو أنهم ملعونون ثم فرق فقال‏:‏ أما الذين تابوا فقد تاب الله تعالى عليهم وأزال عنهم عقوبة اللعنة، وأما الذين ماتوا على الكتمان ولم يتوبوا عنه فقد استقرت عليهم اللعنة ولم تزل عنهم‏.‏ وأورد كلمة الاستثناء في الجملة الأولى مع أنه ليس للإخراج عن الحكم السابق بل هو بمعنى لكن للدلالة على أن التوبة صارت مكفرة للعن عنهم فكأنهم لم يباشروا ولم يدخلوا تحته قاله بعض المحققين وفيه ارتكاب خلاف الظاهر في الاستثناء، ولهذا قال البعض إن المراد بالجملة المستثنى منها بيان دوام اللعن واستمراره وعليه يدور الاستثناء المتصل، وجملة ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ الخ مستأنفة سيقت لتحقيق بقاء اللعن فيما وراء الاستثناء وتأكيد دوامه واستمراره على غير التائبين والاقتصار على ذكر الكفر في الصلة من غير تعرض لعدم التوبة والإصلاح والتبيين مبني على أن وجود الكفر مستلزم لعدمها جميعها كما أن وجودها مستلزم للإيمان الموجب لعدم الكفر، ولذا لم يصرح بالإيمان في صفات التائبين، والفرق بين الدوامين أن الأول‏:‏ تجددي، والثاني‏:‏ ثبوتي ولا يخفى أن هذا أوفق بظاهر اللفظ وما ذكره بعض المحققين أجزل معنى وأعلى كعباً وأدق نظراً، وقيل‏:‏ الموصول عام للذين كتموا وغيرهم كما يقتضيه ظاهر الصلة، والآية من باب التذييل فيدخل الكاتمون الذين ماتوا على الكتمان دخولاً أولياً؛ واعترض بأن تقييد الوعيد بعدم التخفيف أعدل شاهد على أن الآية في شأن الكاتمين الذين ماتوا على ذلك لأنهم أشد الكفرة وأخبثهم فإن الوعيد في حق الكفرة مطلق الخلود في النار، وأنت تعلم أن هذا في حيز المنع بل ما من كافر جهنمي إلا وحاله يوم القيامة طبق ما ذكر في الآية ولا أظنك في مرية من ذلك بعد سماع قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ المجرمين فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 4 7، 75‏]‏ فلا يبعد القول بحسن هذا القيل وإليه ذهب الإمام وكلام الطيبي يشير إلى حسنه وطيبه فتدبر‏.‏

 ‏{‏أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ‏}‏ المراد استمرار ذلك وداومه فهذا الحكم غير ما سبق إذ المراد منه حدوث اللعنة ووقوعها عليهم وليس المقصود من ذكر الملائكة والناس التخصيص لينافي العموم السابق ولا العموم ليرد خروج المهيمين الذي لا شعور لهم بذواتهم وكثير من الأتقياء الذين لا يلعنون أحداً بل المقصود أنه يلعنهم هؤلاء المعتدّون من خلقه و‏(‏ أجمعين‏)‏ تأكيد بالنسبة إلى الكل لا للناس فقط، والمراد بهم المؤمنون لأنهم المعتدّون منهم، والكفار كالأنعام لأنه لا يحسم مادة الإشكال، وقيل‏:‏ إنه باقي على عمومه والكفار يلعن بعضهم بعضاً يوم القيامة، أو الجملة مساقة للاخبار باستحقاق أولئك اللعن من العموم لا بوقوعه بالفعل ولم يكرر اللعنة هنا كما كرر الفعل قبل اكتفاءاً به وافتناناً في النظم الكريم ومناسبة لما يشعر به التأكيد‏.‏

وقرأ الحسن ‏(‏والملائكة والناس أجمعون‏)‏ بالرفع، وخرج على وجوه، فقيل‏:‏ عطف على ‏{‏لَّعْنَةُ‏}‏ بتقدير لعنة الله ولعن الملائكة فحذف المضاف من الثاني وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل‏:‏ مبتدأ محذوف الخبر أي والملائكة والناس يلعنونهم أو فاعل لفعل محذوف أي يلعنهم، وقيل إن ‏{‏لَّعْنَةُ‏}‏ مصدر مضاف إلى فاعله والمرفوع معطوف على محله، وقد أتبعت العرب فاعل المصدر على محله رفعاً كقوله‏:‏

مشى الهلوك عليها الخيعل ‏(‏الفضلُ‏)‏ *** برفع الفضل وهو صفة للهلوك على الموضع، وإذا ثبت في النعت جاز في العطف إذ لا فارق بينهما، وادعى أبوحيان عدم الجواز لأن شرط العطف على الموضع أن يكون ثمت طالب ومحرز للموضع لا يتغير، وأيضاً ‏{‏لَّعْنَةُ‏}‏ وإن سلم مصدريته فهو إنما يعمل إذا انحل لأن، والفعل وهنا المقصود الثبوت فلا يصح انحلاله لهما وسلمه له غيره، وقالوا‏:‏ إنه مذهب سيبويه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏162‏]‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ‏(‏162‏)‏‏}‏

‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏ أي في اللعنة، وهو يؤكد ما تفيده اسمية الجملة من الثبات، وجوز رجوع الضمير إلى النار والاضمار قبل الذكر يدل على حضورها في الذهن المشعر بالاعتناء المفضي إلى التفخيم والتهويل، وقيل‏:‏ إن اللعن يدل عليها استقرار الطرد عن الرحمة يستلزم الخلود في النار خارجاً وذهناً، والموت على الكفر وإن استلزم ذلك خارجاً لكنه لا يستلزمه ذهناً فلا يدل عليه، و‏{‏خالدين‏}‏ على كلا التقديرين في المرجع حال مقارن لاستقرار اللعنة لا كما قيل‏:‏ إنه على الثاني حال مقدرة‏.‏ ‏{‏لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب‏}‏ إما مستأنف لبيان كثرة عذابهم من حيث الكيف إثر بيان كثرته من حيث الكم، وإما حال من ضمير ‏{‏عليهم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 161‏]‏ أيضاً أو من ضمير ‏{‏خالدين‏}‏‏.‏

‏{‏وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ‏}‏ عطف على ما قبله جار فيه ما جرى فيه، وإيثار الجملة الاسمية لإفادة دوام النفي واستمراره، والفعل إما من الإنظار بمعنى التأخير أي لا يمهلون عن العذاب ولا يؤخرون عنه ساعة‏.‏ وإما من النظر بمعنى الانتظار أي لا ينتظرون ليعتذروا، وإما من النظر بمعنى الرؤية أي لا ينظر الله تعالى إليهم نظر رحمة والنظر بهذا المعنى يتعدى بنفسه أيضاً كما في «الأساس» فيصاغ منه المجهول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏163‏]‏

‏{‏وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ‏(‏163‏)‏‏}‏

‏{‏وإلهكم إله واحد‏}‏ نزلت كما روي عن ابن عباس لما قال كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ صف لنا ربك، والخطاب عام لكل من يصح أن يخاطب كما هو الظاهر غير مختص بشأن النزول، والجملة معطوفة على ‏{‏إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 159‏]‏ عطف القصة على القصة، والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات نبوته صلى الله عليه وسلم، وهذه لإثبات وحدانيته تعالى، وقيل‏:‏ الخطاب للكاتمين، وفيه انتقال عن زجرهم عما يعاملون رسولهم إلى زجرهم عن معاملتهم ربهم حيث يكتمون وحدانيته، ويقولون‏:‏ عزير، وعيسى ابنان لله عز وجل، وفيه أنه وإن حسن الانتظام إلا أنه فيه خروج شأن النزول عن الآية وهو باطل وإضافة إله إلى ضمير المخاطبين باعتبار الاستحقاق لا باعتبار الوقوع فإن الآلهة الغير المستحقة كثيرة، وإعادة لفظ إله وتوصيفه بالوحدة لإفادة أن المعتبر الوحدة في الألوهية، واستحقاق العبادة، ولولا ذلك لكفى وإلهكم واحد فهو بمنزلة وصفهم الرجل بأنه سيد واحد، وعالم واحد وقال أبو البقاء‏:‏ إله خبر المبتدأ، و‏(‏ واحد‏)‏ صفة له، والغرض هنا هو الصفة إذ لو قال‏:‏ وإلهكم واحد لكان هو المقصود إلا أن في ذكره زيادة تأكيد، وهذا يشبه الحال الموطئة كقولك‏:‏ مررت بزيد رجلاً صالحاً، وكقولك في الخبر‏:‏ زيد شخص صالح، ولعل الأول ألطف، وأكثر الناس على أن الواحد هنا بمعنى لا نظير له ولا شبيه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وقيل إن المراد به ما ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه الانقسام ولا يحتمل التجزئة أصلاً، وليس المعنى به هنا مبدأ العدد، وأصح الأقوال عند ذوي العقول السليمة أنه الذي لا نظير له ولا شبيه له في استحقاق العبادة وهو مستلزم لكل كمال آب عما فيه أدنى وصمة وإخلام‏.‏

‏{‏لاَ إله إِلاَّ هُوَ‏}‏ خبر ثان للمبتدأ أو صفة أخرى للخبر أو جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، وعلى أي تقدير هو مقرر للوحدانية ومزيح على ما قيل لما عسى أن يتوهم أن في الوجود إلهاً لكن لا يستحق العبادة، والضمير المرفوع على الصحيح بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف فهو بدل مرفوع من ضمير مرفوع، وقد اختلف في المنفي هل المعبود بحق أو المعبود بباطل‏؟‏ فقال محمد الشيشيني‏:‏ النفي إنما تسلط على الآلهة المعبودة بباطل تنزيلاً لها منزلة العدم، وقال عبد الله الهبطي‏:‏ إنما تسلط على الآلهة المعبدة بحق ولكل انتصر بعض، وذكر الملوي أن الحق مع الثاني لأن المعبود بباطل له وجود في الخارج، ووجود في ذهب المؤمن بوصف كونه باطلاً، ووجود في ذهن الكافر بوصف كونه حقاً فهو من حيث وجوده في الخارج في نفسه لا تنفي لأن الذات لا تنفي، وكذا من حيث كونه معبوداً بباطل لا ينفي أيضاً إذ كونه معبوداً بباطل أمر حق لا يصح نفيه وإلا كان كذباً، وإنما ينفي من حيث وجوده في ذهن الكافر من حيث وجوده في ذهنه بوصفه كونه معبوداً بحق، فالمعبودات الباطلة لم تنف إلا من حيث كونها معبودة بحق فلم ينف في هذه الكلمة إلا المعبود بحق غيره تعالى فافهم، وسيأتي تحقيق ما في هذه الكلمة الطيبة في محله إن شاء الله تعالى‏.‏

‏{‏الرحمن الرحيم‏}‏‏.‏ خبران آخران بعد خبر أو خبرين لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألهاكم‏}‏ أو لمبتدأ محذوف والجملة معترضة، أو بدلان على رأي وجىء بهما لتمييز الذات الموصوفة بالوحدة عما سواه وليكون الجواب موافقاً لموا سألوه وفي ذلك إشارة إلى حجة الوحدانية لأنه لما كان مولى النعم كلها أصولاً وفروعاً دنيا وأخرى، وما سواه إما خير محض أو خير غالب، وهو إما نعمة أو منعم عليه لم يستحق العبادة أحد غيره لاستواء الكل في الاحتياج إليه تعالى في الوجود وما يتبعه من الكمالات‏.‏